رجال من شقراء ( إبراهيم بن عبد العزيز الجلال ) رحمه الله
إن الرجال المؤثرين فيمن حولهم قلة لذا نجد أنهم يعدون على أصابع اليد الواحدة أما درجات تأثيرهم فتختلف حسب نوع المؤثر فمنهم من يكون مؤثرا بفصاحته وطلاقته ومنهم من يكون مؤثرا بجوده وكرمه وآخرين يكون تأثيرهم بسبب جاههم ووجاهتهم بل قد يكون للهندام والشكل دوره في التأثير , أما أن يكون الرجل مؤثرا بصمته وحسن سمته فهذا شبه محال , ولا أخفيك أخي الكريم أن الشيخ إبراهيم الجلال رحمه الله أحد أولئك القلائل بل إن كآفة أسرته وبالأخص أخوته ( علي ومحمد رحمهما الله وعبد الرحمن شفاه الله ) قد إمتازوا بتلك الصفة , أما هو فلقد كان صموت حيي لايسمع له صوت إلا همسا ( من يضمن لي مابين لحييه أضمن له الجنة ) ورغم صمته الدائم الذي لا تكاد معه أن تعرف نبرة صوته فهو دائم الهمهمة بآيات الذكر الحكيم بصوت لا تكاد تسمعه , ولأجل ذلك فقد خصص مصحف صغير كان يحمله ولا يكاد يفارقه فأصبح نعم الجليس له وخير الأنيس معه حتى إنه بدأت عليه آثار كثرة القراءة من حيث تغير لون الجلد أو وجود بصمات اليدين عليه , كما إنه كان دائم التبكير للصلاة أما الجمعة فلها شأن آخر حيث كان يستغل التبكير لتلاوة القرآن الكريم , بل كان من تمام صمته عدم تدخله فيما لا يعنيه ( من حسن اسلام المرء تركه ما لايعنيه ) , عُرف رحمه الله بكثرة عبادته وتهجده , أذكر في عام 1401 هـ حيث كنت في المرحلة الثانوية وكنت إماما لصلاة التروايح في مسجد شيحان لأول مرة في حياتي , فلم نصلي أول ليلة لأن الخبر أتى متأخرا وفي باقي الليالي كنت أقرأ بهم في كل ركعة وجه من المصحف فلما وصلت العشر الأواخر قال لي هو ومن معه نريد أن نختم في ليلة سبع وعشرين لرؤيتهم أنها أفضل من غيرها مما اضطرني إلى القراءة في الركعة الواحدة سبعة أو ثمان أوجه فلما ختمنا قال لي بعض المصلين الآن خفف أما هو فأحسست من قسمات وجهه أنه يريد المزيد ( ملاحظة كانت جميع المساجد في رمضان تختم القرآن كاملا على أسماع المصلين وليس كحالنا الآن ) كما كان رحمه الله بارا بوالدته فآثر البر بها على الزواج فعاش معها قائما على حاجتها مؤانسا لها في وحشة الوحدة ولوعة الفراق فكان لها نعم الإبن الخادم ومكث على هذه الحال حتى توفاها الله وكان ذلك في سوق جحيان في الديرة القديمة ولما توفيت رحمها الله انتقل إلى سوق حليوة , ومما يتميز به رحم الله الحب في الله والبغض في الله فتجده محبا للصالحين دائم الإبتسامة والبشاشة لهم والسؤال عن حالهم ( أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ) فكان مشرق الوجه بهي الطلعة , أما حياته مع الزهد فقل أن تجد مثله في هذا العصر خصوصا فيمن نعرف فلم يلهث وراء الدنيا ولم يلتحق بأي وظيفة ولم يمارس أي تجارة بل اكتفى بالقليل مما يزرع أو يحصد استعدادا ليوم الرحيل ( أكثر أهل الجنة الفقراء ) بل إنهم يدخلون قبل الأغنياء بخمسمائة عام , لم يزرق الذرية فكان أبناء إخوانه كان أبنائه فلم مرض آخر حياته كانوا له كالأبناء أو أشد لا حرم الله الأجر , مرض فصبر وتوكل على من بيده النفع والضر وكان شديد التوكل على الله , أسأل الله أن يكون ممن يحشر بغير حساب ولا عقاب وأن يجعل ما أصابه تكفيرا وتمحيصا , خلاصة القول إنه رجل إذا رأيته تذكرت الآخرة من رؤية محياه , كان رفيقا للوالد رحمه الله بحكم الجيرة وبحكم التوافق في كثير من الطبائع , فلعل من البر بأبي تسطير مآثر صديقه .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق